5 مايو 2026 - 17:33
تراجع الإنتاج الزراعي في غزة.. شحّ الأسمدة يهدد الأمن الغذائي

في ظل الحصار والدمار ونقص المدخلات الزراعية، يخوض مزارعو غزة معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج، مستخدمين حلولاً بدائية في مواجهة انهيار يهدد الأمن الغذائي.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ في ظلّ تآكل المقومات الزراعية في قطاع غزة يوماً بعد يوم، يواصل المزارعون الفلسطينيون معركتهم الصامتة للحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج، برغم شحّ الإمكانيات وتفاقم الأزمات، فالأرض التي كانت مصدراً للأمن الغذائي تواجه اليوم ضغطاً مركّباً يتمثّل في نقص حاد في مستلزمات الإنتاج، وارتفاع كبير في التكاليف، وتشديد القيود على إدخال الأسمدة والمبيدات ومواد التشغيل. 

مع تراجع توافر الأسمدة والمبيدات، يلجأ بعض المزارعين إلى حلول بدائية، مثل إنتاج أسمدة عضوية من المخلّفات المنزلية، للتخفيف من النقص ودعم نمو المحاصيل. وبذلك تتحوّل الزراعة في غزة إلى مساحة صمود يومي في مواجهة أزمة بيئية واقتصادية وغذائية تهدد سبل العيش والأمن الغذائي للمجتمع بأكمله.

روث الحيوانات وبقايا الطعام

في منطقة المواصي غربي مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، يحاول المزارع محمود الشاعر الحفاظ على ما تبقّى من إنتاجه الزراعي في ظل ظروف معيشية قاسية ونقص حاد في مستلزمات الزراعة، ما يهدد استمرار هذا القطاع الحيوي.

وبسبب شحّ وارتفاع أسعار الأسمدة، لجأ محمود إلى تصنيع سماد عضوي بديل عبر جمع بقايا الطعام والمخلفات وفضلات الحيوانات وتركها لتتخمر في الماء، بهدف تغذية التربة وتحسين إنتاجيتها بشكل محدود.

ويؤكد الشاعر في حديثه للميادين نت أنّ هذه الطريقة، برغم بدائيتها، أصبحت خياراً اضطرارياً في ظل غياب البدائل، مشيراً إلى أنّه "يعمل المستحيل" للحفاظ على السلة الغذائية في غزة.

ويوضح المزارع أنّ الحصار المستمر وتداعيات الحرب أدّيا إلى انعدام توفر الأسمدة والمواد الزراعية، ما أنهك القطاع وأوصله إلى "الأنفاس الأخيرة"، ودفع المزارعين لاستخدام روث الحيوانات المُخمّر عبر أنظمة الري كحل مؤقت.

ويحذر الشاعر من أنّ هذه البدائل لا تعوّض النقص الحاد في مستلزمات الإنتاج، في ظل مبيدات غير فعّالة وارتفاع تكاليف الري والطاقة، إضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمزارع من جراء القصف وتدمير البنية الإنتاجية، مؤكداً أنّ استمرار الزراعة العام المقبل في هذه الظروف يبدو غير واقعي.

السماد العضوي بين الندرة وغلاء الأسعار

في أرضه الصغيرة التي لم تغادره برغم النزوح والحرب، يقف المزارع إياد ورش آغا بين حقولٍ شاحبة أنهكها الحصار وقسوة الظروف، محاولاً إبقاء الزراعة حيّة برغم تقلّص المساحات وتراجع الإنتاج. وبين شحّ الموارد وارتفاع أسعار الأسمدة، يواصل عمله بإصرار، في مشهد تختلط فيه الخسارة بالصمود، وتغدو فيه الزراعة فعل مقاومة أكثر منها مهنة.

ويشير المزارع إلى أنّ الدونم الزراعي يحتاج عادة نحو كيلوغرامين من السماد، لكنه يستخدم أقل بكثير، ما ينعكس سلباً على جودة المحاصيل ونموها، مؤكداً أنّ أسعار الأسمدة ارتفعت بشكل غير مسبوق من نحو 50 شيكلاً إلى 2500 شيكل، ما يضطر المزارعين لتقليل الكميات إلى الحد الأدنى لإطالة فترة استخدامها.

ويحذّر ورش آغا من انتشار الغش في الأسمدة عبر خلط مواد مثل الأمونيا والحديد بالرمل والملح، ما يفقدها فعاليتها ويزيد خسائر المزارعين، لافتاً إلى أنّ السماد العضوي أصبح نادراً وباهظ الثمن، وقد يصل سعر العربة الواحدة إلى نحو عشرة آلاف شيكل، ما يجعله خارج قدرة معظم المزارعين.

مع تقلّص الرقعة الزراعية بشكل كبير نتيجة الدمار وصعوبة الوصول إلى الأراضي، لجأ المزارعون إلى استغلال مساحات صغيرة وغير مهيأة، ما أدى إلى تراجع واضح في جودة المحاصيل.

"الخط الأصفر" يحرم المزارعين من أراضيهم

يقول المزارع خليل العطار للميادين نت إنّه عاد إلى الزراعة أكثر من مرة خلال العدوان الأخير في منطقة الشيماء شمال غزة، وزرع الخضار خلال ذروة المجاعة، إلا أنّ محاولاته كانت تُجهض في كل مرة بسبب أوامر الإخلاء، ما اضطره للتنقل قسراً من بيت لاهيا إلى غزة ثم إلى الجنوب، قبل أن يستقر في دير البلح.

ويشير العطار إلى تفاقم المعيقات، أبرزها ندرة البذور وارتفاع أسعارها، وشحّ الأسمدة الكيماوية، ما جعله غير قادر على مواصلة الزراعة كما في السابق برغم نجاحه أحياناً في توفير المستلزمات بصعوبة بالغة.

ويوضح المزارع أنّ جزءاً كبيراً من أراضيه أصبح ضمن "الخط الأصفر" الحدودي المحظور منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، ما حرمه من استغلالها، في ظل صعوبة استئجار أراضٍ بديلة وارتفاع التكاليف، ليجد نفسه أمام واقع زراعي شبه متوقف يحوّل الأرض من مصدر رزق إلى عبء.

تفاقم أزمة الأمن الغذائي

بحسب معطيات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، فإنّ القطاع الزراعي في غزة شهد انهياراً واسعاً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ تضررت نحو 87% من الأراضي الزراعية، وأصبحت أكثر من 95% منها غير صالحة أو يصعب الوصول إليها، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج وتفاقم أزمة الأمن الغذائي.

كما توضح تقارير رسمية تدميراً واسعاً طال الأراضي والدفيئات والآبار والثروة الحيوانية، مع خسائر تُقدّر بمليارات الدولارات، إضافة إلى أن نحو 77% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وسط وصول مئات الآلاف إلى مستويات كارثية تقترب من المجاعة.

كارثة زراعية وتدمير ممنهج 

بدوره، يقول الخبير الزراعي نبيل أبو شمالة إنّ قطاع غزة يواجه "كارثة زراعية" نتيجة تدمير منهجي طال مختلف مكونات القطاع الزراعي، بما في ذلك الإنتاج النباتي والحيواني والثروة السمكية والأراضي والبيوت البلاستيكية والبساتين.

ويوضح أبو شمالة للميادين نت أنّ نحو 7% فقط من الأراضي الزراعية ما تزال مزروعة، مع تقييد الوصول إلى مساحات واسعة، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج الغذائي، مشيراً إلى أنّ تدمير الآبار ومنظومات الطاقة، ومنع إدخال الأسمدة والبذور والمدخلات الزراعية، رفع تكاليف الإنتاج بأكثر من 1000%، وانعكس ذلك على ارتفاع الأسعار وتفاقم أزمة الأمن الغذائي.

ويؤكد أنّ السماد الكيماوي عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، برغم اللجوء الجزئي للسماد العضوي، إلا أن تراجع مزارع المواشي قلّل المخلفات الحيوانية، فيما يبقى "الكمبوست" بديلاً محدوداً لا يعوّض الكيماوي حتى عند خلطه بمخلفات الدواجن، ما يؤدي إلى ضعف المحاصيل وتدهور جودتها.

ويلفت أبو شمالة إلى أنّ الأزمة دفعت بعض المزارعين لتخصيص أجزاء من أراضيهم لإيواء النازحين، في ظل غياب البدائل، ما يجعل القطاع الزراعي في حالة انهيار شبه كامل.

تدهور بيئي يهدد الزراعة وسلامة الغذاء

من جهته، يقول المختص البيئي نزار الوحيدي إن خصوبة التربة في غزة تعتمد أساساً على المادة العضوية، بينما تُعد التربة الرملية ضعيفة في الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية، ومع النقص الحاد في الأسمدة أصبحت التربة والنباتات في حالة إنهاك شديد، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على الخصوبة الطبيعية وحدها.

ويوضح الوحيدي في حديثه إلى الميادين نت أنّ القصف دمّر بنية التربة عبر حفر عميقة وحرارة عالية أتلفت مكوناتها الحيوية، ما جعل بعض المناطق تتحول إلى غبار شبه فاقد للإنتاجية.

ويحذّر الخبير البيئي من أنّ هذا التدهور انعكس على الأمن الغذائي، وقد يدفع بعض المزارعين لاستخدام مواد غير سليمة لزيادة الإنتاج، ما يفاقم تدهور التربة ويهدد سلامة الغذاء.

تعليقك

You are replying to: .
captcha